الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
302
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وقد استعملت هذه الكلمة في الآيات القرآنية في " الأذى اللساني " تارة كالآية ( 61 ) من سورة التوبة ، حيث تقول : ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن . واستعملت أيضا بمعنى " الأذى البدني " في آيات أخرى ، كالآية ( 16 ) من سورة النساء : والذان يأتيانها منكم فآذوهما أي يرتكبان الفاحشة ، فأقيموا عليهما الحد الشرعي . يقول التاريخ : إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والمؤمنين الأوائل قد وقفوا كالجبل الأشم أمام أنواع الأذى ، ولم يقبلوا عار الاستسلام والهزيمة قط ، وأخيرا انتصروا في حركتهم . وكان أساس هذه المقاومة ومعينها هو " التوكيل على الله " والاعتماد على ذاته المقدسة . . الله الذي تتيسر كل الصعاب والمشاكل أمام إرادته . . أجل يكفي الإنسان أن يكون معينه وناصره هذا الرب الجليل . ومما قلناه اتضح أن محتوى الآية المذكورة لم يكن نسخ لحكم الجهاد - كما يظن ذلك بعض المفسرين - بل الظاهر أن هذه الآيات قد نزلت بعد مدة من نزول حكم الجهاد ، وهي في مصاف الحوادث المتعلقة بسورة الأحزاب . إن هذا حكم لكل العصور والقرون ، بأن لا يصرف الأئمة الإلهيون طاقاتهم الحيوية في الاهتمام بإيذاء مخالفيهم ، فإنهم إن فعلوا ذلك وصرفوا قواهم وطاقاتهم في هذا المجال ، يكون عدوهم قد حقق هدفه ، لأنه يريد أن يشغل فكر من يقابله ، ويهدر طاقاته عن هذا الطريق . . هنا يكون أمر ( دع أذاهم ) هو الحل الوحيد . وهنا أمر يستحق الانتباه أيضا ، وهو : أن الأوامر الخمسة المذكورة ، التي وردت في الآيتين الأخيرتين ، يكمل بعضها بعضا ، ويرتبط بعضها ببعض ، فإن